إرث ميركل.. خريطة طريق لمستقبل ألمانيا

Mofida
أخبار ألمانيا
9 سبتمبر 2021429 مشاهدةآخر تحديث : منذ 11 شهر
إرث ميركل.. خريطة طريق لمستقبل ألمانيا
إرث ميركل.. خريطة طريق لمستقبل ألمانيا

ألمانيا بالعربي

إرث ميركل.. خريطة طريق لمستقبل ألمانيا

خلال نحو ستة عشر عاماً من حكم أنجيلا ميركل، رسخت ألمانيا مكانتها في القارة الأوروبية وتحولت إلى قوة اقتصادية وسياسية بارزة، رسمت خلالها معالم جيوسياسية جديدة تسيّدت بها عرش التاج الأوروبي، وأضحت صانع قراره الأوحد واللاعب الأكثر تأثيراً فيه.

على الرغم من إرث المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي قضت في السلطة أكثر من عقد من الزمن وتستعد لحزم أمتعتها للمغادرة، واعتباره خارطة طريق استراتيجية للدولة في علاقاتها الخارجية وسياساتها الداخلية لعقود من الزمن، فإن الاختلاف النسبي في توجهات الأحزاب المعارضة يهدد بحالة من الغموض الذي لن تتكشَف معالمه خلال وقت قصير، واحتمالية تحييد ألمانيا عن المسار الذي أنتجته خلال الفترة الماضية، وهي من كانت بمثابة القائد الروحي للاتحاد الأوروبي. أسئلة كثيرة ومستقبل أكثر غموضاً يلف أرجاء الفضاء السياسي في ألمانيا، في وقت ينتظر فيه كل المرشحين المقبلين، دعماً سيكون بمثابة بطاقة العبور نحو الكرسي من ميركل التي قررت عدم الترشح لرئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي. فكيف سترتسم معالم المستقبل بعد رحيل ميركل؟ وهل ستواصل برلين التحكم في زمام القرار السياسي والاقتصادي الأوروبي؟

في عهدها اكتسبت ألمانيا الكثير من القوة والنفوذ اللذين تخطيا حدود القارة الأوروبية ورست سفنهما في شواطئ بعيدة شرقاً وغرباً، فألمانيا تعد العدة حالياً لاستقبال شخصية جديدة ستكون إما استكمالاً لإرث ميركل، أو التوجه نحو مسار مختلف بعض الشيء. يشير خبراء وأكاديميون إلى أنه على الرغم من أن برلين ليست عضواً دائماً في مجلس الأمن، فإن نفوذها يفوق في سطوته بعض أطراف المجلس الخماسي، وذلك بفضل السياسات الاستراتيجية التي عملت ميركل على ترسيخها بالاستفادة من الإمكانيات الضخمة التي تتمتع بها ألمانيا اقتصادياً واجتماعياً.

ميركل خارج الحلبة

وفي الوقت الذي تولت فيه أنجريت كرامب كارنباور رئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي خلفاً لميركل، وخوض الحزب الانتخابات القادمة مع مجموعة شرسة من المرشحين، فإن غياب ميركل عن الساحة وعدم ظهورها داعمة لحملة حزبها لانتخابات البرلمان الأوروبي المقبلة، أثار الكثير من الجدل وطرح أسئلة عديدة، ولكن يبدو أن المستشارة لا تريد التورط في متاهات سياسية يمكن تفسيرها بأنها تدخل في الشؤون السياسية الخاصة بأنجريت كرامب كارنباور، حيث يقول مراقبون إنها اتخذت قراراً صائباً وعقلانياً بتجنّبها الدخول في تلك الحملة ودعمها، على الرغم من أن ميركل كانت تفضل رؤية خليفتها كارنباور على سدة الحكم في ألمانيا، عوضاً عن إرمين لاشيت، الذي أصبح مرشح الحزب لاحقاً.

استطلاعات الرأي

يعد إرمين لاشيت مرشح الائتلاف المسيحي الذي تنتمي إليه ميركل، الأقل حظاً في الفوز بمقعد المستشارية الألمانية، وفقاً لآخر استطلاعات الرأي، أما المرشحان الآخران وهما أولاف شولتس من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ومرشحة حزب الخضر أنالينا بيربوك، فيبدوان في موقف أفضل لكسب منصب المستشارية، على الرغم من تباين الاستطلاعات التي تشير إلى تفوق أحدهما على الآخر بين الفينة والأخرى. ويعزى سبب تراجع إرمين لاشيت في السباق إلى المنصب، إلى عدة قضايا تمكّن المرشحون الآخرون من تسليط الضوء عليها، وإلصاق الفشل في التعامل معها بالحزب المسيحي الذي ينتمي إليه لاشيت؛ إذ يركزون على فشل الائتلاف الحاكم بقيادة ميركل في التعامل مع قضية التغير المناخي، إلى جانب البطء النسبي في استعادة مستويات النمو والتعافي من الآثار السلبية التي خلّفها انتشار وباء كورونا، والذي أدى إلى تباطؤ في سرعة الماكينة الألمانية التي تعتمد في اقتصادها على الصناعة بشكل كبير، ولكن مراقبين يقولون إن التركيز على هذه القضية لا يبدو منطقياً، بالنظر إلى أن العالم كله يعاني حتى الآن، الآثار السالبة للجائحة، وإنه لم يكن بمقدور الحكومة التعاطي بشكل أفضل مما تعاملت به مع الأزمة.

آثار كوفيد 19

وعلى الرغم من أن نحو 60% من الألمانيين تلقوا لقاح كوفيد 19 وأصبحوا محصنين ضده، فإن ذلك لم يمنع المرشحَين الآخرين من توجيه انتقادات لأداء الحكومة في ما يتعلق بتعاطيها مع الأوضاع، ولكن الشعب الألماني يبدو راضياً إلى حد كبير عن الطريقة التي تعاملت بها الحكومة بقيادة ميركل مع الوباء.

وفي ظل المخاوف التي تعتري بعض الألمانيين من إمكانية فوز أحد مرشحَي الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر، وحدوث تغير كامل في شكل السياسة الخارجية الألمانية التي اتسمت بالعقلانية والحكمة طوال عهد ميركل، فإن الدلائل تشير إلى أن معظم الخلافات الموجودة بين جميع الأحزاب لا تعدو كونها خلافات في وجهات النظر؛ إذ تتفق رؤاها جميعاً على خطوط عريضة للأهداف الوطنية في ما يختص بالسياسة الخارجية والداخلية، وهو ما يبدو متعارضاً مع توجهات بعض المراقبين الأوروبيين المتحفظين بعض الشيء، ممن يعتقدون أن مكانة ألمانيا كقائدة للاتحاد الأوروبي ستكون عرضة لخطر كبير، فالمرشحان الآخران لا يبدو أنهما سيواصلون نهج ميركل في التعامل بعقلانية مع التهديد الذي تمثله روسيا على الاتحاد الأوروبي، أو مواجهة التحديات داخل الكتلة الأوروبية من مستوى القيادة، إلى جانب المخاوف المتعلقة بإمكانية قيام أحدهما بالانغلاق على الذات في التعامل مع قضايا الاتحاد الأوروبي.

أما في ما يتعلق بعلاقة ألمانيا بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى سياسياً واقتصادياً، فإن التوجه العام للمرشحين الآخرين، يشير إلى أن الوضع سيكون كما هو عليه، بدون أي تغيير عن حقبة ميركل، لا سيما التعاملات التجارية مع بريطانيا التي قررت الانفصال عن الكتلة، إلا أن احتمالية عدم أخذ ألمانيا بزمام المبادرة في ما يتعلق بالتهديدات الخارجية لأوروبا، هو أكثر ما يثير قلق المتشائمين الذين يقولون إن فقدان الدولة لمركزها القيادي في أوروبا، ستكون له انعكاسات لا يستهان بها على الاقتصاد والمجتمع الألماني، في حين أن علاقاتها المتجذرة مع الولايات المتحدة لن تتأثر أبداً بأي تغيير في منصب المستشارية، وفقاً لمراقبين.

وبين متفائل ومتشائم، يبدو أن مستقبل المشهد السياسي في ألمانيا لن يحيد بأي حال من الأحوال عن النهج العام الذي سارت فيه ميركل طوال أكثر من عقد ونصف العقد من توليها المنصب، بسبب أن جميع المرشحين، وإن كانوا على خلاف مع المستشارة في بعض القضايا، يدركون جيداً أن ميركل لعبت دوراً كبيراً في تنامي السطوة الألمانية على القارة الأوروبية، والإنجازات الكبيرة المرتبطة بحقبتها التي شهدت الكثير من التوترات الإقليمية والعالمية.


رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.